Wednesday, January 28, 2015

في الحانةِ القديمة، حين أصبح العشقُ خَمرا!ً

يقول مظفر النواب: "إذا خَمِرَت الروحُ بالعِشقِ، سِكرَ الجِسدُ بالماء القِراح، و انزاحَ معنى الحانةِ إلى معنى الوجود، كلٌ حسبَ طريقتهِ في العِشقِ يُصلي...إلخ".
ذكر مظفر النواب -وهو عراقي، وأحد أعظم الشعراء العرب الحديثين- هذه الكلمات كمقدمة للنسخة الثالثة من قصيدته الرائعة: "في الحانة القديمة".
في هذا النص دعوة صريحة وعميقة لجذب انتباه الناس نحو ضرورة وجود الحب بداخلهم، لعل مظفر عن استخدامه لكلمة "العشق"، لم يقصد بالضرورة العشق الذي يكون بين رجلٍ و امرأة، أو شابٍ وفتاة! أنا أؤمن بأنه كان يقصد ذلك العشق الذي وُضِع له أربعون قاعدة في سَفرِ الأدب الصوفي الأعظم "قواعد العشق الأربعون" عن جلال الدين الرومي.
في الأساس أظن الخمر نشربه ليوصلنا لتك النشوة التي تجعلنا نتصالح مع أنفسنا، إذ حين ننتشي نعيش في عوالم أخرى نملأها بما نريد، بالحب بالعشق، بالحزن بالغضب! أو ببساطة نشرع في تصفية حساباتنا مع أولئك الذين لا نقوى على مواجهتهم في حالة الوعي، ربما الخمر هو مشروباً للشجاعة! يُحفزنا لفعل ما نريد دون تفكير مسبق بالعواقب وردود الأفعال، يضخ الأدرينالين النفسي داخل مواطن القوة لدينا.
"إذا خمرت الروح بالعشق..."، أن تخمر الروح بالعشق  يعني أن تمتلئ بالعشق، أن يسيطر عليها العشق، ويصبح هو ما يحركها. حب الذات حب ما حولك من بشر، حب الله وكل مخلوقاته. بعد أن فرض جدلاً مظفر بأن العشق يملأ الروح، صرح بأن الجسد يمكنه أن يسكر بالماء القراح! أي أننا يمكن أن نتوصل لتلك الدرجة الرفيعة من النشوة عبر أبسط الأشياء، وأستعار شرب الماء ليوضح ذلك، وتلك بُردة الجمال والإنسانية.
ويواصل مظفر ويقول: "وانزاح معنى الحانة إلى معنى الوجود"، أي أنه عند تحقيق الفرضية التي وضحتُها، فإن البشرية لن تحتاج للخمر و وسائل الحصول عليه وما ويعمل عمله. و ستنزاح صناعة وتجارة الخمر، ليس كما حصل في القرن الماضي في فترة منع الخمر في الولايات المتحدة على إثر سوء استخدامه بالتأكيد! بل بسبب عدم الحاجة إليه! ربما في تلك الحالة على "فداديات" بلادي أن يبحثوا عن عملٍ جديد، كل المجد لهن!
يضيف مظفر ويقول: "كلٌ حسب طريقته في العشق يُصلي..."، أعزائي هذه العبارة أرى فيها أسمى درجات التفاني في احترام حرية الأخر وتقدير إنسانيتنا. نحن إذ نصرح بأن ما يجمعنا كبشر ويوحدنا هي إنسانيتنا، فعلينا أن ندرك أننا مختلفون عن بعضنا البعض اختلافات جوهرية، وليست تلك بمشكلة، لأن "كلٌ حسب طريقته في العشق يُصلي...".