Monday, July 28, 2014

في العيد



..عيدٌ يتوسدُ حزنَ الأيام
الأن قبلُ الفجرِ، نتوزعُ بين الأموات..
ونبتدأ بالأحزان..
سلامٌ أمي حيث تكوني، سلامٌ والدي..
في رِحمِ اللحدِ تتجمعُ أحزانُ الكونِ.. 
تتزاوجُ روحينِ سماءَ الكونِ
وتتلاقى رحيقُ الاشواقِ صدى السنوات.. 
والحزنُ يحاصرنا حين يأتي العيد..
سوف ألتمِسُ عندَ الفجرِ زيارةَ الأمواتِ الأحباب..
حيثُ أقرأ في صمت الحزن آياتَ القراءنِ..
ثم أعتذرُ في حياءٍ، إلى القبرِ حضوراً..
حيث الوقت هجوعاً..
بين اليغظةِ والأحلام، أنثرُ حبات الماء ليغتسل الحزنُ دموع القبر..
تنساب بين القبر حضوراً في الأعياد..

****

خديجة،
رحلت عنا قبل سنواتٍ أربع.. 
كانت في أزاهر العمرِ حين إرتحل القبرُ إليها!
رحلت دون صغارٍ يحملونَ في موتها ملامحها..
كانت تتلألأ حضوراً بين الأحباب..
قامةُ أسدالٍ تتمايل بين الاغصان.. 
ضياءٌ يتسربُ فى ليلته بين سحابٍ يتقاسمُ ضؤ الشمسٍ نهاراً..
وتنساب أسحار الدهشةِ فى عينيها..
والأن،
مجردُ ذكرياتٍ وألمٌ فى القلب وحفنةُ ترابٍ داكن..
وحسراتٌ تتقاطع فى العينين..

****

أسماء،
كانت في الوجدانِ ضياءُ الحقِ..
كانت تمتهنُ دفاعَ المظلومينَ على عتباتِ الأحكام..
كانت نوراً في الحقِ، تتسامي فى كبرياء الصدق..
يا الله، كيف ترحلُ من كانت تتقاسم العدل بين المظلومين؟
يا الله وأنت العدل الحق..
أين ذهب الاموات الأن؟ 

****

الأب،
رحل الأب يحمل مرارات الصبر..
قامةٌ كأنها شمسٌ..
كان إمام صلواتنا..
وفقيهاً في أحكامِ أصول القراءن..
يجاهرُ بالحقِ بين الناس.. 
يلتمس سبيل الإحسان..
ويحملُ بين يديهِ صبرُ الفقراء.. 
وتتسامى فى عينيه كبرياء النفس..
كان يكتسب رزقهُ بين نهارِ الكدحِ ويحلقُ في حضورِ الناسكِ في غسقِ الليل!..
يدعوا الناس إجلالاً في الحقِ..
لا يملكُ سوى الصدقَ ونصوصٍ من القرآن..
وأحاديث عن المختارِ محمداً.. 
وكان يدهشنا ونحن صغار بقصصٍ وحكاياتٍ وأسماء..
كان يحملُ شرفَ الإسمِ، "محمد"..
كان فى ذاكرتي كطيف خيال، حين إرتحلَ لم أتجاوز في العمر العقد الأولَ
ولا زال الحزنُ يتربصُ فينا..
وتمضي السنوات، وفي عقدين تحزم أمى أمر الاحزان..
لتمضي تتلاصق في عناقِ مستتر!..
قبرٌ واحدٌ ولحدين..!
كان الزمنُ يتقاسمُ صدقَ وفاءِ العمر..
ويُلحُ في إصرار.. 
ليفسح فضاء الأرض للقاءِ الموت..
قبرٌ واحدٌ ولحدين..!
حين تتلاحقُ أرحامُ الأموات أبواب الجنة..
وعداً من الرحمنِ وفاء الصدق..
صدقاً لمن يفنى في حُبِ المعشوق..
كانت خصباً بين السنوات كما تجود الأشجار..
تتلهفه صبراً وتتاحاملهُ ألماً وشقاء..
وكان الصبر حليفاً بين خفقات القلب..
والرضاء بالمقسومِ من الأرزاق، شرفاً في الصمتِ لا يدانيهِ حزن.. 
تتجاذبهُ لحظاتُ الفرحِ بين الوالد والمولود..
ثم جاء فراق الزوج.. 
كانت تودُ أن ترحلَ قبل الأن، خوفاً من حزنٍ يُفنيها..
وحرقةُ قلبٍ وذبول أغصان.. 

****

لا إحساس يفرحُ سوى الأبناء الأن..
أخافُ عليهِم من أحزانٍ تتربص فينا.. 
في سنواتٍ العمرٍ بين الأيام..
الموت حق، ولكن يظلُ الحزن هو الأسواء حضوراً بين الأيام..
والأعيادُ كذلك!..
شيءٌ اتمناه لكل الناس، عيدٌ يتناسى الناسُ فيهِ الأحزان
وتتلاشى ذكرياتُ الأحبابِ الأموات....




-قصيدة للوالد عبد العزيز محمد عطية، كتبها في 28/يوليو-2014 - قبل صلاة عيد الفطر بساعات.
-جرت العادة في الأعياد أن نزور موتانا في المقابر ونقرأ عليهم الفاتحة، ونرش على قبورهم بعض الماء، فهم أحق بالمعايدة قبل غيرهم.
-ذهبنا في هذا اليوم وزرنا قبر جدي محمد عطية مدني، وجدتي زينب أدروب، وعماتي خديجة وأسماء، الذين ذكرهم والدي في القصيدة. رحمة الله عليهم جميعاً وعلى جميع موتانا وموتاكم.